ابن أبي العز الحنفي
150
شرح العقيدة الطحاوية
وقوله : « وإن محمدا » بكسر الهمزة ، عطفا على قوله : « ان اللّه واحد لا شريك له » . لأن الكل معمول القول ، أعني : قوله « نقول في توحيد اللّه » . والطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر ، تقرير نبوة الأنبياء بالمعجزات ، لكن كثير منهم لا يعرف نبوّة الأنبياء الا بالمعجزات ، وقرروا « 96 » ذلك بطرق مضطربة ، والتزم كثير منهم انكار خرق العادات لغير الأنبياء ، حتى أنكروا كرامات الأولياء والسحر ، ونحو ذلك . ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح ، لكن الدليل غير محصور في المعجزات ، فان النبوة انما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين ، ولا يلتبس هذا بهذا الا على أجهل الجاهلين . بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما ، وتعرّف بهما والتمييز « 97 » بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة ، فكيف بدعوة النبوة ؟ وما أحسن ما قال حسان رضي اللّه عنه : لو لم يكن فيه آيات مبيّنة * كانت بديهته تأتيك بالخبر وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين الا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين عليه - ما ظهر لمن له أدنى تمييز . فان الرسول لا بد أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور ، ولا بد أن يفعل أمورا [ يبين بها صدقه ] . والكاذب يظهر في نفس ما يأمر به ويخبر عنه وما يفعله ما يبين به كذبه من وجوه كثيرة . والصادق ضده . بل كل شخصين ادعيا أمرا : أحدهما صادق والآخر كاذب - لا بد أن يظهر صدق هذا وكذب هذا ولو بعد مدة ، إذ الصدق مستلزم للبر ، والكذب مستلزم للفجور ، كما في الصحيحين عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « عليكم بالصدق ، فإن الصدق يهدي إلى البر ، [ وان ] البر يهدي إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق [ ويتحرى الصدق ] ، حتى يكتب عند اللّه صديقا ، وإياكم والكذب فان الكذب يهدي إلى الفجور ، وان الفجور يهدي إلى النار ، وما يزال
--> ( 96 ) في المطبوعة : وقد روي . وهو خطأ . ( 97 ) في الأصل : التميز .